عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

110

اللباب في علوم الكتاب

فظهر من هذا أن العامّ إنّما يحسن تخصيصه ، إذا كان الباقي بعد التّخصيص أكثر ؛ لأن العادة جارية بإطلاق لفظ الكلّ على الغالب ؛ لأنّه يقال في الثّوب : إنه أسود إذا كان الغالب فيه السّواد وإن حصل فيه بياض قليل ، فأمّا إذا كان الغالب عليه البياض وكان السّواد قليلا ، كان إطلاق لفظ السّواد عليه كذبا ؛ فثبت شرط تخصيص العامّ ؛ أن يكون الباقي بعد التّخصيص أكثر « 1 » ، وهذه الآية ليست كذلك ، فإنه خرج

--> ( 1 ) اختلف في المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص على مذاهب : أحدها : أنه لا بد من بقاء جمع كثير ، ونقله الرازي والآمدي عن أبي الحسين البصري ، وصححه الرازي . وقال الآمدي : وبه قال أكثر أصحابنا ، وإليه مال إمام الحرمين ، ونقله ابن برهان عن المعتزلة . وقال الأصفهاني : ما نسبه الآمدي إلى الجمهور ليس بجيد ، نعم اختاره الغزالي والرازي . واختلف في ذلك الكثير . فقال أكثرهم : لا بد أن يعرف من مدلول اللفظ العام قبل التخصيص . وقال البيضاوي : لا بد أن يكون غير محصور . وقال ابن برهان في « الأوسط » : لم يحدّوا الكثرة هنا ؛ بل قالوا : تعرف بالقرائن ، وأغرب بعضهم ، فادّعى أنه ليس المراد بالكثير هنا الكثير عددا ؛ بل الكثير وقوعا ، والغالب وجودا بحيث يقرب أنه مما خطر بالبال عند ذكر اعتبار لفظ العام . وقال آخرون : شرطه أن يكون الباقي معظم الأمر إما في الكثرة وإما في الاعتبار ؛ أما في الكثرة فكما إذا قلت : كل إنسان مصاب ، وكل محسن مشكور ، فإنه وإن كان في الناس من لم يصب بمصيبة إلا أنه يحدث قائل ذلك ، ويحسن أن لا يقدح في كلامه . وأما في الاعتبار فكما إذا قلت : خرج الناس كلهم للقاء الملك ، فإن المراد من له اعتبار ، وإن كان أكثر الناس لم يخرجوا . والثاني : أن العام إن كان ظاهرا مفردا ك « من » و « الألف واللام » نحو : اقتل من في الدار ، واقطع السارق ، جاز التخصيص إلى أقل المراتب : وهو واحد ، لأن الاسم يصلح لهما جميعا . وإن كان بلفظ الجمع كالمسلمين جاز إلى أقل الجمع ، وذلك إما ثلاثة أو اثنان على الخلاف . قاله القفّال الشاشي . كذا رأيته في كتابه في نسخة قديمة ، واعتمده ابن الصّبّاغ في « العدة » أيضا ، فاضبط ذلك ، فقد زل الناقلون عنه في هذه المسألة . فنقل ابن برهان في « الأوسط » عنه جواز الرد إلى الواحد مطلقا ، ونقل القاضي أبو الطيب في « شرح الكافية » وابن السّمعاني في « القواطع » عنه جواز الرد إلى ثلاثة ، ولا يجوز إلى ما دونها إلا بما يجوز به النسخ ، لكن ظاهر كلام القاضي أن « من ، وما » محل وفاق . فإنه قال : لنا أن كل ما جاز تخصيصه إلى ثلاثة ، جاز تخصيصه إلى ما دونها « كمن ، وما » انتهى . وبذلك صرح الشيخ أبو إسحق الإسفرايني ، فقال : لا خلاف في جواز التخصيص إلى واحد فيما إذا لم تكن الصيغة جمعا ، « كمن ، وما ، والمفرد المحلى بالألف واللام » . وحكى القاضي عبد الوهاب عنه أنه ألحق أسماء الأجناس : كالسارق والسارقة ، بالجمع المعرف في امتناع رده إلى الواحد كذلك ؛ والفرق بين الصيغتين أن ألفاظ الجموع موضوعة للجميع ، ففي التخصيص إلى الواحد إخراج عن الموضوع ، ولا كذلك « من ، وما ، والمفرد المحلى بالألف واللام » ، لتناولها الواحد والاثنين . قال الأصفهاني : وينبغي أن يلحق « أيّ » « بمن ، وما » قلت : وهو كذلك ، لوجود العلة ، وبه صرح إلكيا الطبري . وقال بعض المتأخرين : ما أظن القفّال يقول به في كل تخصيص ، فإنه لا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد ، بل الظاهر قصر قوله على ما عدا الاستثناء من المخصّصات ، بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل : عليّ عشرة إلا تسعة ، ويحتمل أن يعم الخلاف إلا أن الظاهر خلافه من المنقول عنه . -